الذهب والفضة عند قمم تاريخية وسط اضطرابات نقدية وتوترات عالمية
شهدت أسعار الذهب ارتفاعًا تاريخيًا قويًا خلال تعاملات اليوم، حيث صعدت عقود الذهب الآجلة منذ لحظة الافتتاح لتسجل قمة غير مسبوقة عند 4640 دولارًا للأونصة، قبل أن تستقر قرب مستوى 4626 دولارًا، محققة مكاسب تجاوزت 2.7% خلال جلسة واحدة. كما واصلت أسعار الذهب الفوري صعودها لتلامس مستوى 4630 دولارًا، في إشارة واضحة إلى تصاعد الطلب العالمي على المعدن الأصفر كملاذ آمن في ظل حالة عدم اليقين المتزايدة.
ولم يكن الذهب وحده نجم المشهد، إذ قفزت أسعار الفضة بقوة لافتة، مسجلة ارتفاعًا حادًا تجاوز 7.5% لتتداول قرب 86 دولارًا للأونصة، بعدما سجلت قمة قياسية جديدة عند 86.2 دولار. هذا الأداء الاستثنائي يعكس موجة شراء واسعة في سوق المعادن الثمينة، مدفوعة بعوامل مالية وجيوسياسية معقدة.
اضطرابات نقدية تهز ثقة الأسواق
تأتي هذه التحركات القوية في أسعار الذهب والفضة في ظل تصاعد الاضطرابات داخل النظام النقدي العالمي، حيث أدت التوترات المؤسسية المرتبطة بالسياسات النقدية إلى تآكل الثقة في استقرار القرارات الاقتصادية. هذا المشهد دفع المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر، واللجوء بشكل متزايد إلى التحوط عبر الذهب والمعادن الثمينة.
وقد انعكس ذلك سريعًا على أسواق الأسهم العالمية، التي شهدت ضغوطًا بيعية واضحة في أوروبا وآسيا، مع توقعات بجلسات متقلبة في الأسواق الأمريكية. في المقابل، تعرض مؤشر الدولار لضغوط هبوطية، وهو ما عزز بدوره مكاسب الذهب، في ظل العلاقة العكسية التقليدية بين العملة الأمريكية وأسعار المعدن النفيس.
توترات جيوسياسية تعزز سيناريو الملاذ الآمن
على الصعيد الجيوسياسي، لا تزال الأوضاع الإقليمية المتوترة تلعب دورًا محوريًا في دعم أسعار الذهب. فاستمرار الاضطرابات الداخلية في بعض مناطق الشرق الأوسط، واتساع رقعة الاحتجاجات، وارتفاع حدة التصريحات السياسية، كلها عوامل زادت من المخاوف بشأن الاستقرار الإقليمي، ما عزز الإقبال على الذهب كأداة لحفظ القيمة في أوقات الأزمات.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى ارتفاع كبير في أعداد الضحايا والمعتقلين، مع امتداد التوترات إلى عشرات المدن، الأمر الذي يرفع من احتمالات التدخلات الخارجية أو التصعيد السياسي، وهو سيناريو تاريخيًا ما يدعم أسعار المعادن الثمينة بقوة.
إشارات متباينة من أسواق الطاقة والسندات
في المقابل، أظهرت أسعار النفط بعض الضعف، حيث تراجع الخام ليتداول قرب مستوى 58.50 دولارًا للبرميل، متأثرًا بتوقعات زيادة المعروض العالمي واحتمالات تخفيف بعض القيود على صادرات الطاقة في مناطق أخرى. هذا التراجع في أسعار النفط ساهم جزئيًا في تخفيف الضغوط التضخمية، لكنه لم يكن كافيًا للحد من اندفاع المستثمرين نحو الذهب.
أما عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل فقد استقرت نسبيًا قرب مستويات مرتفعة، ما يعكس حالة من الترقب والحذر في الأسواق، دون وجود ثقة كاملة في استدامة الاستقرار المالي خلال الفترة المقبلة.
نظرة مستقبلية للأسواق
في ظل هذا المشهد المعقد، يتوقع محللو الأسواق أن يظل اتجاه الذهب والفضة صاعدًا على المدى القريب، طالما استمرت التوترات النقدية والجيوسياسية، مع ترجيح زيادة التقلبات في أسواق العملات والأسهم. ويرى متابعو الأسواق في بوينت تريدر جروب أن المستويات الحالية تعكس بداية مرحلة جديدة من إعادة تسعير الأصول الآمنة، وليس مجرد حركة مؤقتة.
ومع تزايد المخاطر العالمية، يظل الذهب أحد أهم الأدوات الاستراتيجية للمستثمرين الباحثين عن التحوط، تنويع المحافظ الاستثمارية، وحماية رؤوس الأموال في بيئة تتسم بعدم اليقين وارتفاع المخاطر.
العربية